الشوكاني

178

فتح القدير

أصله من شد النهار : أي ارتفع . وقال سيبويه : واحده شدة . قال الجوهري : وهو حسن في المعنى ، لأنه يقال بلغ الكلام شدته ، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل . قوله ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف ، ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن ، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان ( وإذا قلتم فاعدلوا ) أي إذا قلتم بقول في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل فاعدلوا فيه وتحروا الصواب ، ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد ، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو ، بل سووا بين الناس فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به ، والضمير في ( ولو كان ) راجع إلى ما يفيده " وإذا قلتم " فإنه لابد للقول من مقول فيه ، أو مقول له : أي ولو كان المقول فيه ، أو القول له ( ذا قربى ) أي صاحب قرابة لكم . وقيل إن المعنى : ولو كان الحق على مثل قراباتكم والأول أولى ، ومثل هذه الآية قوله - ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين - . قوله ( وبعهد الله أوفوا ) أي أوفوا بكل عهد عهده الله إليكم ، ومن جملة ما عهده إليكم ما تلاه عليكم رسوله بأمره في هذا المقام ، ويجوز أن يراد به كل عهد ولو كان بين المخلوقين ، لأن الله سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوغا لإضافته إليه ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم ذكره ( وصاكم به ) أمركم به أمرا مؤكدا ( لعلكم تذكرون فتتعظون بذلك . قوله ( وأن هذا صراطي مستقيما ) أي في موضع نصب : أي واتل أن هذا صراطي قاله الفراء والكسائي . قال الفراء : ويجوز أن يكون خفضا : أي وصاكم به ، وبأن هذا . وقال الخليل وسيبويه : إن التقدير ولأن هذا صراطي مستقيما كما في قوله سبحانه - وأن المساجد لله - . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ( وإن هذا ) بكسر الهمزة على الاستئناف ، والتقدير : الذي ذكر في هذه الآيات صراطي . وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب ( وإن هذا صراطي ) بالتخفيف على تقدير ضمير الشأن . وقرأ الأعمش ( وهذا صراطي ) وفي مصحف عبد الله بن مسعود ( وهذا صراط ربكم ) وفي مصحف أبي ( وهذا صراط ربك ) والصراط : الطريق ، وهو طريق دين الإسلام ، ونصب مستقيما على الحال ، والمستقيم المستوى الذي لا اعوجاج فيه ، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر السبل : أي الأديان المتباينة طرقها ( فتفرق بكم ) أي تميل بكم ( عن سبيله ) أي عن سبيل الله المستقيم الذي هو دين الإسلام . قال ابن عطية : وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد ، والإشارة ب‍ ( ذلكم ) إلى ما تقدم وهو مبتدأ وخبره ( وصاكم به ) أي أكد عليكم الوصية به ( لعلكم تتقون ) ما نهاكم عنه . وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا ( قل تعالوا ) إلى ثلاث آيات ، ثم قال : فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء عفا عنه " . وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب الأحبار قال : أول ما أنزل في التوراة عشر آيات ، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) إلى آخرها . وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي ابن الخيار قال : سمع كعب رجلا يقرأ ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) فقال كعب : والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة : بسم الله الرحمن الرحيم ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) إلى آخر الآيات